Wednesday, 25 February 2009

الـمــعــتــقــــد الــثــانــــي - الـســيــخــيــــــة

ظهرت السيخية متأخرة عن الديانات الهندية الكبرى التي ظهرت قبل ميلاد المسيح عليه السلام،
حيث ظهر مذهب السيخ في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي،
وذلك بعد أن أشرق فجر الإسلام على ربوع الهند وقامت فيه ممالكه ودوله.
تعريف السيخية
ـــــــــــــــــــــــ
ديانة وضعية أرضية جمعت عناصرها من الثقافة الهندوسية ومن الدين الإسلامي،
وقد أراد واضعها جمع المسلمين والهندوس على دين واحد، إلا أنه فشل في ذلك، فظلت الديانتان على حالهما،
وشكل هو وأتباعه دينا جديدا تحت مسمى السيخية
.
مؤسسها
ــــــــــــــــــ
يدعى "ناناك" ولد في الهند سنة 1469م . هندوسي المولد والديانة،

إلا أن اختلاطه بالمسلمين ومجالسته للصوفية منهم قد أثر فيه،
مع ما قد عرف عنه من نقده لبعض جوانب الهندوسية، فتولد عنده همُّ الجمع بين الديانيتين،
فخرج على الناس بالدعوة إلى الدمج بين الديانتين
تحت شعار " لا هندوس لا مسلمون " .فنبذه المسلمون والهندوس على السواء ،
وانحاز هو وأتباعه ليكونوا جماعة دينية مستقلة، كغيرها من الجماعات الدينية التي تعج بها الهند.
أنشأ لديانته الجديدة معبدا، وكان هو أول معبد لها في "كارتاربور" ،
وينسب إليه كتاب " كرو كرنتها صاحب " وهو من الكتب المقدسة لدى السيخ .
توفي تاناك سنة 1539م، وقبل وفاته عين أحد طلابه خليفة له،
وقد دفن في بلدة ديرة "باباناناك" بالبنجاب الهندية الآن
.
الأفكار والعقائد
ــــــــــــــــــــــــ
تشتمل أفكار السيخ ومعتقداتهم على خليط غير متجانس من العقائد والأفكار
التي أُخذت من الديانة الإسلامية والثقافة الهندوسية،
فمن معتقدات السيخ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- القول بالتوحيد :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا أخذوه من المسلمين إلا أنهم خلطوه بشرك الهندوس، فزعم رئيسهم - وفق ما ذُكر في كتابهم المقدس :
" إن برهما خرج من سرة وشنو " وكلاً من برهما وشنو من آلهة الهندوس، فبرهما هو الخالق عندهم وشنو أو فيشنو هو الإله الحافظ لأمر العالم - كما ورد في موضوعي عن الهندوسية - ،
وبهذا الجمع الغريب يكون السيخ قد جمعوا بين لفظ التوحيد عند المسلمين وحقيقة الشرك والتعدد عند الهندوس
2- القول بوحدة الوجود،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا القول لا شك أنهم أخذوه عن الهندوسية،
فالإسلام يفصل فصلا تاما بين حقيقة الإله الخالق المعبود، وبين خلقه من الحيوان والجماد،
وأما الهندوسية فتعتقد أن المخلوقات برزت من مادة الإله ولذلك فغاية المنى عند الهندوسي أن يتحد بالإله،
ولعل هذه النظرة الهندوسية هي التي أخذ السيخ منها القول بوحدة الوجود
.
3- تحريم عبادة الأصنام وصناعتها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
، وهذا مأخوذ من المسلمين، أما الهندوس فتكاد تضيق بيوتهم ومعابدهم بها .
4- القول بتناسخ الأرواح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
، وهو من صلب عقيدة الهندوس، فالأرواح تنتقل من جسد إلى آخر دائما وأبدا
إلا أن تنجو فتتحد بالإله برهما - وفق اعتقاد الهندوس -،
وقد أدخل السيخ تعديلا على عقيدة التناسخ فأرجعوا الأمر إلى الله سبحانه، فقالوا :
إن التناسخ ليس بحتم بل قد ينجو الإنسان من التنقل أحيانا بمحض لطف الله سبحانه
.5- تحريم الرهبنة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيث يوجبون على أتباع الطائفة السعي لطلب الرزق،
وهذا بلا ريب مأخوذ من الإسلام الذي حرم الرهبانية وأوجب على العبد اكتساب معيشته،
على خلاف مذهب الهندوس الذي يرغب أتباعه في الرهبنة وترك العمل والسلبية في الحياة
.6- الإيمان بأصل النبوة والرسالة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأن الله يبعث إلى عباده رسلا يهدونهم ويدلونهم إلى طريق الخير والصلاح، وهذا القدر يشبه معتقد المسلمين،
أما الهندوس فيؤمنون بأن الله إذا أراد هداية خلقه نزل إليهم في صورة بشر لإنقاذهم،
وقد تسرَّب القول بألوهية المصلح إلى السيخ من قبل زعيمهم "أرجن داس" المتوفي سنة 1601م،
والذي أعلن القول بألوهية جميع المصلحين السابقين ابتداءا "بنانك" مؤسس السيخية وانتهاء به،
وجاء المصلحون من بعده فادعوا لأنفسهم مثل ما ادعى لنفسه
!!!7- إباحة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير،
وتحريم أكل لحوم الأبقار، وهذا من دين الهندوس
.8- الدعوة إلى الوحدة بين الهندوس والمسلمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورفع شعار " لا هندوس لا مسلمون "
يقول الزعيم السيخي كوبند سنغ : " لا فرق بين مندر " معبد الهندوس " ومسجد
وبين عبادة الهنادك وصلاة المسلمين
" 9- المحافظة على التزام القواعد الخمس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهي بمثابة الهدي الظاهر لهم وهي :
الأولى :الكيشو "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومعناها إرسال شعر الرأس واللحية وعدم حلقهما.
الثانية : "الكانغا"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو عبارة عن تضفير الشعر وتركه مجدولا عوضا عن مشطه - وعندي معلومة تقول أن السيخي يقص جزء بسيط من شعره كلما قتل مسلمين - هذه المعلومه سرية لكن سمعتها أثناء حياتي بالخليج والله أعلم .
الثالثة : " الكانشا "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتعني لبس سروال متسع يضيق عند الركبتين، وتحريم لباس "دهوتي"،
وهو الرداء الذي يلبسه الهندوس، وطوله ستة أمتار، يلف حول الجسد من تحت السرة .
الرابعة : "الكارا"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو سوار من حديد يلف حول المعصم، ويحرم لبس جميع أنواع الحلي والجواهر .
الخامسة : "الكربال"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو عبارة عن نوع من السيوف أو الخناجر يلبسه السيخي ليتحلى به، وليحمي السيخي نفسه من أعدائه .
الكتب المقدسة لدى السيخ :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألف قادة السيخ ومعلمومهم كتبا قدسها أتباعهم، واتخذوها مصدر هداية لهم،
فمن تلك الكتب:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب آدي غرانت
ــــــــــــــــــــــــــــ
ويشتمل على مجموعة من الأناشيد الدينية ألفها المعلمون الخمسة الأوائل وتبلغ قريبا من 6000 نشيد ديني.
كتاب " كروكرنتها صاحب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" وينسب إلى مؤسس السيخية نانك.
كتاب "راحت ناما"
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويحتوي على آداب وتقاليد " الخالصدال"
وهي طائفة من الشباب التزمت بنظام سلوكي قاس،
حيث ينصرفون إلى العبادة والقتال من أجل الحق والعدل الذي يعتقدونه .
عبادة السيخ :
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تتمحور عبادة الإله عند السيخ بترديد الأناشيد من كتبهم المقدسة التي سبق ذكرها.
كانت تلك لمحة موجزة عن الديانة السيخية، وهي توضح أنها اختراع بشري
أراد صاحبه الجمع بين ديانة سماوية هي الإسلام، وديانة وضعية أرضية وثنية هي الهندوسية،
رغبه في الأولى سمو تعاليمها، وإحكام مبانيها،
ورغبه في الثانية تقليد الآباء والأجداد، كما هو حال المشركين الذين وصفهم سبحانه بقوله :
{ وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ( الزخرف : 23 ) ،
ومحاولة خلط دين سماوي بفلسفة بشرية هي أشد سذاجة من منطق المشركين هذا،
فالأديان تتلقى من الوحي وتنزل من السماء، ولا تخترعها العقول وترسمها الأفكار .

Tuesday, 3 February 2009

الهندوسيــــة ....الجزء الثالث


الهندوسية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعريف :الهندوسية ويطلق عليها أيضاً البرهمية(*) ديانة(*) وثنية(*) يعتنقها معظم أهل الهند،
وهي مجموعة من العقائد والعادات والتقاليد التي تشكلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر.
إنها ديانة تضم القيم الروحية والخلقية إلى جانب المبادىء القانونية والتنظيمية متخذة عدة آلهة بحسب الأعمال المتعلقة بها،
فلكل منطقة إله(*)، ولكل عمل أو ظاهرة إله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التأسيس وأبرز الشخصيات:•
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يوجد للديانة الهندوسية مؤسس معين، ولا يعرف لمعظم كتبها مؤلفون معينون،
فقد تمّ تشكُّل الديانة وكذلك الكتب عبر مراحل طويلة من الزمن.•
الآريُّون الغزاة الذين قدموا إلى الهند في القرن الخامس عشر قبل الميلاد هم المؤسسون الأوائل للديانة الهندوسية
.- ديانة الفاتحين الجديدة لم تمح الديانة القديمة للهنود، بل مازجتها وتأثرت كل منهما بالأخرى.-
في القرن الثامن قبل الميلاد تطورت الهندوسية على أيدي الكهنة(*) البراهمة الذين يزعمون أن في طبائعهم عنصراً إلهيًّا
ثم تطورت مرة أخرى في القرن الثالث قبل الميلاد عن طريق قوانين منوشاستر(*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.الأفكار والمعتقدات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:نستطيع فهم الهندوسية من خلال كتبها، ونظرتها إلى الإله، ومعتقداتها وطبقاتها إلى جانب بعض القضايا الفكرية والعقائدية الأخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• كتبها :
ــــــــــــــــــــــــ
للهندوسية عدد هائل من الكتب عسيرة الفهم غريبة اللغة
وقد أُلّفت كتب كثيرة لشرحها وأخرى لاختصار تلك الشروح، وكلها مقدسة وأهمها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:1- الفيدا
ــــــــــــــــــــــــ
: وهي كلمة سنسكريتية معناها الحكمة والمعرفة،
وتصور حياة الآريين، ومدارج الارتقاء للحياة العقلية من السذاجة إلى الشعور الفلسفي،
وفيه أدعية تنتهي بالشك والارتياب كما أن فيه تأليهاً يرتقي إلى وحدة الوجود،
وهي تتألف من أربعة كتب هي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:1- رج فيدا أو راجا فندا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أي الفيدا الملكية) وترجع إلى 3000 سنة قبل الميلاد،
فيها ذكر لإله(*) الآلهة(إنذار) ثم لإله النار (أغني) ثم الإله (فارونا) ثم الإله سوريه (إله الشمس
)
.2- يجور فيدا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتلوها الرهبان(*) عند تقديم القرابين
3- سم فيدا
ــــــــــــــــــــــــــ
ينشدون أناشيده أثناء إقامة الصلوات والأدعية
4- أثروا فيدا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبارة عن مقالات من الرقي (*) والتمائم (*) لدفع السحر والتوهم والخرافة والأساطير والشياطين.
وكل واحد من هذه الفيدات يشتمل على أربعة أجزاء هي:-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
i- سَمْهِتا
ــــــــــــــــــــ
: تمثل مذهب(*) الفطرة، وأدعيته كان يقدمها سكان الهند الأقدمون لآلهتهم قبل زحف الآريين
..
ii- البراهمن
ـــــــــــــــــــــــــ
يقدمها البراهمة للمقيمين في بلادهم مبينة أنواع القرابين
iii-آرانياك
ـــــــــــــــــــــــــ
وهي الصلوات والأدعية التي يتقدم بها الشيوخ أثناء إقامتهم في الكهوف والمغاور وبين الأحراش والغابات
iv- آبا نيشادات
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
: وهي الأسرار والمشاهدات النفسية للعرفاء من الصوفية
.
.2- قوانين منو
ــــــــــــــــــــــــــــــ
: وضعت في القرن الثالث قبل الميلاد في العصر الويدي الثاني، عصر انتصار الهندوسية على الإلحاد(*) الذي تمثل في (الجينية والبوذية).
وهذه القوانين عبارة عن شرح للويدات بين معالم الهندوسية ومبادئها وأسسها
.
1- كتب أخرى
ــــــــــــــــــــــــ
:أ‌- مها بهارتا
ــــــــــــــــــــــــ
: ملحمة هندية تشبه الإلياذة(*) والأوديسة(*) عند اليونان ومؤلفها (وياس) ابن العارف (بوسرا) الذي وضعها سنة 950 ق.م وهي تصف حرباً بين أمراء من الأسر المالكة، وقد اشتركت الآلهة في هذه الحرب .
ب‌- كيتا
ــــــــــــــــــ
: تصف حرباً بين أمراء من أسرة ملكية واحدة، وينسب إلى كرشنا(*) فيها نظرات فلسفية واجتماعية
.ت‌- يوجا
ــــــــــــــــــــــــــ
(*) تحتوي على أربعة وستين ألف بيت، ألفت إبتداء من القرن السادس عبر مرحلة طويلة على أيدي مجموعة من الناس، فيها أمور فلسفية ولاهوتية
.ث‌- رامايانا
ــــــــــــــــــــــــــ
: يعتني هذا الكتاب بالأفكار السياسية والدستورية وفيه خطب لملك أسمه (راما).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• نظرة الهندوسية إلى الآلهة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:- التوحيد
ــــــــــــــــــــ
: لا يوجد توحيد بالمعنى الدقيق، لكنهم إذا أقبلوا على إله(*) من الآلهة أقبلوا عليه بكل جوارحهم حتى تختفي عن أعينهم كل الآلهة الأخرى، وعندها يخاطبونه برب الأرباب أو إله(*) الآلهة
.- التعدد
ـــــــــــــــــــــــــ
: يقولون بأن لكل طبيعة نافعة أو ضارة إلهاً يُعبد: كالماء والهواء والأنهار والجبال.. وهي آلهة كثيرة يتقربون إليها بالعبادة والقرابين.
التثليث
ــــــــــــــــــ
(*): في القرن التاسع قبل الميلاد جمع الكهنة الآلهة في إله واحد أخرج العالم من ذاته وهو الذي أسموه
:1- براهما(*): من حيث هو موجود
.2- فشنو(*): من حيث هو حافظ
.3- سيفا(*): من حيث هو مهلك
.فمن يعبد أحد الآلهة الثلاثة فقد عبدها جميعاً أو عبد الواحد الأعلى ولا يوجد أي فارق بينها
. وهم بذلك قد فتحوا الباب أمام النصارى للقول بالتثليث
.- يلتقي الهندوس على تقديس البقرة وأنواع من الزواحف كالأفاعي وأنواع من الحيوان كالقردة ولكن تتمتع البقرة من بينها جميعاً بقداسة تعلو على أي قداسة ولها تماثيل في المعابد والمنازل والميادين ولها حق الانتقال إلى أي مكان ولا يجوز للهندوكي أن يمسها بأذى أو بذبحها وإذا ماتت دفنت بطقوس دينية
.- يعتقد الهندوس بأن آلهتهم قد حلت كذلك في إنسان اسمه كرشنا وقد التقى فيه الإله(*) بالإنسان أو حل اللاهوت(*) في الناسوت(*)، وهم يتحدثون عن كرشنا كما يتحدث النصارى عن المسيح
، وقد عقد الشيخ محمد أبو زهرة – رحمه الله – مقارنة بينهما مظهراً التشابه العجيب، بل التطابق، وعلق في أخر المقارنة قائلاً: "وعلى المسيحيين(*) أن يبحثوا عن أصل دينهم"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.• الطبقات في المجتمع الهندوسي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:- منذ أن وصل الآريون إلى الهند شكَّلوا طبقات ما تزال قائمة إلى الآن، ولا طريق لإزالتها لأنها تقسيمات أبدية من خلق الله (كما يعتقدون).-
وردت الطبقات في قوانين منو على النحو التالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:1- البراهمة
ــــــــــــــــــــــــ
: وهم الذين خلقهم الإله(*) براهما من فمه: منهم المعلم والكاهن(*)، والقاضي، ولهم يلجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلا في حضرتهم
.2- الكاشتر
ــــــــــــــــــــــــ
: وهم الذين خلقهم الإله من ذراعيه: يتعلمون ويقدمون القرابين ويحملون السلاح للدفاع
.3- الويش
ـــــــــــــــــــــــــــ
: وهم الذين خلقهم الإله من فخذه: يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال، وينفقون على المعاهد الدينية
.4- الشودر
ـــــــــــــــــــ
: وهم الذين خلقهم الإله من رجليه، وهم مع الزنوج الأصليين يشكلون طبقة المنبوذين، وعملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاث السابقة الشريفة ويمتهنون المهن الحقيرة والقذرة
.- يلتقي الجميع على الخضوع لهذا النظام الطبقي بدافع ديني
.- يجوز للرجل أن يتزوج من طبقة أعلى من طبقته ويجوز أن يتزوج من طبقة أدنى على أن لا تكون الزوجة من طبقة الشودر الرابعة
ولا يجوز للرجل من طبقة الشودر أن يتزوج من طبقة أعلى من طبقته بحال من الأحوال
.- البراهمة هم صفوة الخلق، وقد ألحقوا بالآلهة، ولهم أن يأخذوا من أموال عبيدهم "شودر" ما يشاؤون
.- البرهمي الذي يكتب الكتاب المقدس هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه
.- لايجوز للملك – مهما اشتدت الظروف – أن يأخذ جباية أو إتاوة من البرهمي
.- إن استحق البرهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه ، أما غيره فيقتل
.- البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشودري الذي ناهز المائة كما يفوق الوالد ولده
.- لا يصحُّ لبرهمي أن يموت جوعاً في بلاده
.-
المنبوذون أحط من البهائم وأذل من الكلاب بحسب قانون منو
(*).-
من سعادة المنبوذين أن يخدموا البراهمة وليس لهم أجر أو ثواب
.-
إذا مدّ أحد المنبوذين إلى برهمي يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه فُدِعت رجله.- إذا هَمَّ أحد من المنبوذين بمجالسة برهمي فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد
.- إذا ادّعى أحد المنبوذين أنه يعلِّم برهمياً فإنه يسقى زيتاً مغليًّا
.- كفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء
.- ظهر مؤخراً بعض التحسن البسيط في أحوال المنبوذين خوفاً من استغلال أوضاعهم ودخولهم في أديان أخرى لا سيما النصرانية التي تغزوهم أو الشيوعية التي تدعوهم من خلال فكرة صراع الطبقات.- ولكن كثيراً من المنبوذين وجدوا العزة والمساواة في الإسلام فاعتنقوه
.معتقداتهم
ــــــــــــــــــــــ
:- تظهر معتقداتهم في الكارما، وتناسخ الأرواح(*)، والانطلاق، ووحدة
:1- الكارما
ــــــــــــــــــــــــ
: قانون الجزاء أي أن نظام الكون إلهي قائم على العدل المحض، هذا العدل الذي سيقع لا محالة إما في الحياة الحاضرة أو في الحياة القادمة، وجزاء حياةٍ يكون في حياة أخرى، والأرض هي دار الابتلاء كما أنها دار الجزاء والثواب
.2- تناسخ الأرواح
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*): إذا مات الإنسان يفنى منه الجسد وتنطلق منه الروح لتتقمص وتحل في جسد آخر بحسب ما قدم من عمل في حياته الأولى، وتبدأ الروح في ذلك دورة جديدة
.3- الانطلاق
ــــــــــــــــــــــــــــ
: صالح الأعمال وفاسدها ينتج عنه حياة جديدة متكررة لتثاب فيها الروح أو لتعاقب على حسب ما قدمت في الدورة السابقة.- من لم يرغب في شيء ولن يرغب في شيء وتحرر من رق الأهواء، واطمأنت نفسه، فإنه لا يعاد إلى حواسه بل تنطلق روحه لتتحد بالبراهما
.- يؤخذ على هذا المبدأ أنه جعل التصوف والسلبية أفضل من صالح الأعمال لأن ذلك طريق للاتحاد بالبراهما
.4- وحدة الوجود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
: التجريد الفلسفي ارتقى بالهنادكة إلى أن الإنسان يستطيع خلق الأفكار والأنظمة والمؤسسات كما يستطيع المحافظة عليها أو تدميرها، وبهذا يتحد الإنسان مع الآلهة(*) وتصير النفس هي عين القوة الخالقة
.أ‌- الروح كالآلهة أزلية سرمدية، مستمرة، غير مخلوقة
.ب‌- العلاقة بين الإنسان وبين الآلهة كالعلاقة بين شرارة النار والنار ذاتها، وكالعلاقة بين البذرة وبين الشجرة
.ت‌- هذا الكون كله ليس إلا ظهوراً للوجود الحقيقي، والروح الإنسانية جزء من الروح العليا.•
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفكار ومعتقدات أخرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
:- الأجساد تحرق بعد الموت لأن ذلك يسمح بأن تتجه الروح إلى أعلى وبشكل عمودي لتصل إلى الملكوت الأعلى في أقرب زمن، كما أن الاحتراق هو تخليص للروح من غلاف الجسم تخليصاً تاماً
.- عندما تتخلص الروح وتصعد، يكون أمامها ثلاثة عوالم
:1- إما العالم الأعلى: عالم الملائكة
.2- وإما عالم الناس: مقر الآدميين بالحلول
.3- وإما عالم جهنم: وهذا لمرتكبي الخطايا والذنوب.- ليس هناك جهنم واحدة، بل لكل أصحاب ذنب جهنم خاصة
بهم
.- البعث في العالم الآخر إنما هو للأرواح لا للأجساد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.- يترقى البرهمي في أربع درجات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:1- التلميذ وهو صغير
.2- رب الأسرة
.3- الناسك
ويقوم بالعبادة في الغابات إذا تقدم به السن
.4- الفقير
: الذي يخرج من حكم الجسد وتتحكم فيه الروح ويقترب من الآلهة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.- المرأة التي يموت عنها زوجها لا تتزوج بعده، بل تعيش في شقاء دائم، وتكون موضعاً للإهانات والتجريح، وتكون في مرتبة أقل من مرتبة الخادم
.- قد تحرق المرأة نفسها إثر وفاة زوجها تفادياً للعذاب المتوقع الذي ستعيش فيه، وقد حرم القانون هذا الإجراء في الهند الحديثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.- الديانة الهندية تجيز عقد القران للأطفال وهم يَحْبُون، ويحدث أن يموت الولد فتشب البنت أرملة ابتداء، ولكن القانون الهندي الحديث حرم ذلك ومنع عقد القران إلا في سن الشباب
.- ليس للفرد أهمية إلا إذا كان عضواً في جماعة، وتكون هذه الجماعة عضواً في جماعة أكبر، ذلك لأن العناية للجماعة لا للفرد
يلاحظ هبوط المستوى الاقتصادي لمعتنقي الهندوسية لأن بعض الطبقات لا تعمل؛ ذلك لأن العمل لا يليق بمكانتها السامية كطبقة البراهمة مثلاً
.- نظام الطبقات يعطل مبدأ تكافؤ الفرص
.- رفضت الهندوسية حركة الإصلاح الداخلي المتمثلة في الإسلام وقاومتها محتفظة بتعليماتها ومعتقداتها
.- حاول الزعيم الهندي (غاندي) تقليص الحدة بين الطبقات وبين المنبوذين ولكن محاولاته ذهبت أدراج الرياح، بل كان هو ذاته ضحية لهذه المحاولة.
- حاولت جماعة (السيخ) إنشاء دين(*) موحد من الهندوسية والإسلام لكنهم فشلوا إذ سرعان ما انغلقوا على أنفسهم وصاروا طبقات متميزة يرفضون التزاوج مع غيرهم
.الجذور الفكرية والعقائدية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:• في القرن الخامس عشر قبل الميلاد كان هناك سكان الهند الأصليين من الزنوج الذين كانت لهم أفكار ومعتقدات بدائية
.• جاء الغزاة الآريون مارّين في طريقهم بالإيرانيين فتأثرت معتقداتهم بالبلاد التي مروا بها، ولما استقروا في الهند حصل تمازج بين المعتقدات تولدت عنه الهندوسية كدين فيه أفكار بدائية من عبادة الطبيعة والأجداد والبقر بشكل خاص
.• وفي القرن الثامن قبل الميلاد تطورت الهندوسية عندما وُضع مذهب البرهمية وقالوا بعبادة براهما(*).• عصفت بالديانة(*) الهندية حركتان قويتان هما الجينية والبوذية
.• ظهرت قوانين منو(*) فأعادت إليها القوة وذلك في القرن الثاني والثالث قبل الميلاد
.• انتقلت فكرة التثليث(*) من الفكر الهندي إلى الفكر النصراني بعد رفع المسيح عليه السلام
.• انتقل فكر التناسخ(*) والحلول(*) ووحدة الوجود (*) إلى بعض المسلمين الذين ضلُّوا فظهرت هذه العقائد عند بعض المتصوفة، وكذلك ظهرت عند الإسماعيلية وعند الفرق الضالة كالأحمدية
.الانتشار ومواقع النفوذ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:كانت الديانة الهندوسية، تحكم شبه القارة الهندية وتنتشر فيها على اختلاف في التركيز
، ولكن البون الشاسع بين المسلمين والهندوس في نظرتيهما إلى الكون والحياة وإلى البقرة التي يعبدها الهندوس ويذبحها المسلمون ويأكلون لحمها؛ كان ذلك سبباً في حدوث التقسيم
حيث أُعلن عن قيام دولة الباكستان بجزأيها الشرقي والغربي والتي معظمها من المسلمين، وبقاء دولة هندية معظم سكانها هندوس والمسلمون فيها أقلية كبيرة
.ويتضح مما سبق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
:أن الديانة الهندوسية مزيج من الفلسفة(*) الهندية والديانتين اليهودية(*) والمسيحية كما أنها عقيدة محدودة الأتباع
. ويعتقد الهندوس أنها جاءت عن طريق الوحي(*)، ولو صح هذا فلا بد أنه قد حصل لها الكثير من التحريف والتبديل حتى أصبحت أسلوباً في الحياة أكثر مما هي عقيدة واضحة المعالم
. وتشمل من العقائد ما يهبط إلى عبادة الأشجار والأحجار والقرود والأبقار.. إلى غير ذلك من أنواع الوثنية(*) التي تتنافى مع أبسط قواعد التوحيد
. كما أن التقسيم الطبقي فيها يتعارض مع كرامة الإنسان ويجعلها بعيدة عن الوحي الرباني
.

Tuesday, 20 January 2009

الإعــــتـــــقـــــــــــاد الـــهـــنــدوســـــي

النشـــأة:
ــــــــــــــــ
إنَّ الدارس لتاريخ الهند يجد صعوبة بالغة في تحديد حالات الاستقرار في الهند، ولكن الراجح أنَّها بدأت تشهد منذ الألف السادس قبل الميلاد حالات من هذا القبيل. لقد عرفت هجرات عديدة، وموجات من الشعوب، وإن كان الآريون الآتون من ضفاف بحر قزوين هم المجموعة الأبرز، والتي تبلورت معها أمور كثيرة في الهند ومنها الديانة الهندوسية
.
وبعد جولات ونزاعات شهدت حالات من الكر والفر مع باقي موجات الشعوب، دخل الآريون ـ كما يقول السحمراني ـ في نسيج البلاد إلى حدّ أنَّ بعض المؤرخين قال: كلمة (آري) مأخوذة من اللغة السنسكريتية وهي لغة الهند ومعناها: الشريف
.
ولم يلبث أن امتزج الآريون بالدرافيديين، الأمر الذي أثر في صنع نموذج الهند الديني، ومعتقده ومعبوده، واللفظ عندهم متقارب مع الكلمات الأوروبية بفعل وحدة المنشأ اللغوي والثقافي والسكاني، الإله عند الهنود هو (دافا
وفي اللاتينية وفي الفرنسية (ديو) وهكذا

أمّا الأدبيات الدينية الهندية فقد تـمَّ تدوينها على مراحل، ولـم تظهر أيّة مدونات قبل القرن الثامن قبل الميلاد وهي ما سمي بكتب (الفيدا) ومعناها "كتب الحكمة".

ومما يلفت الانتباه إليه هو أنه لـم تنسب أدبيات الهندوس لشخص بعينه بل هي ثمرة تراث لشعوب تمازجت وانصهرت في بوتقة مجتمع واحد.

كانت الهندوسية تسمى قديماً درما وهو الإسم الأصلي، وتسمى كذلك سانتانا واتخذت حديثاً اسم الهندوسية، وباتت
تشمل الحضارة والدين والعادات والتقاليد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقود البحث في عقيدة الهندوس في الألوهية إلى مزيد من التعقيد والإرباك، بحيث تطالعك المصادر والمراجع في الحديث عن آلاف الآلهة التي يقدسونها، واختصاص كلّ واحد منهم بمهمة.
ويبدو أن برهم يعتبر الإله الاساسي في عقيدة الهندوس وقد تحدث البستاني في دائرة معارفه عن أصله فقال:
إنه من أصل فارسي مركب من كلمتين هما براي أي الارتفاع وماه أي عظيم أو ميه أي النشر والبسط كناية عن القبة المقعرة السماوية التي لاتتغير شكلاً ولا وضعاً فإذاً هي غير متغيرة والنجوم الزاهرة هي تحتها،
ويقال أن برهم حقيقة سنسكريتية وهي تحريف برماه وهي كلمة لا تأنيث فيها ولا تذكير فيكون المراد بها أن المعبود خنثى أي يمكن أن يجمع بين التذكير والتانيث أو يكون فاقداً لكليهما.

أما عن طبيعة الآلهة عند الهندوس يذكر ول ديورانت، في قصة الحضارة : «تزدحم بها مقبرة العظماء في الهند، ولو أحصينا أسماء هاتيك الآلهة لاقتضى ذلك مائة مجلد،
وبعضها أقرب في طبيعته إلى الملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، وطائفة منهم أجرام سماوية مثل الشمس، وطائفة منهم تمائم ... وكثير منها هي حيوانات الحقل أو طيور السَّماء
، فالهندي لا يرى فارقاً بعيداً بين الحيوان والإنسان، فللحيوان روح كما للإنسان
وكلّ هذه الصنوف الإلهية قد نسجت خيوطها في شبكة واحدة لا نهاية لحدودها، هي (كارما)(1) وتناسخ الأرواح؛ فالفيل مثلاً قد أصبح الإله جانيشا واعتبروه ابن شيفا، وفيه تتجسّد طبيعة الإنسان الحيوانية..
. كذلك كانت القردة والأفاعي مصدر رعب، فكانت لذلك من طبيعة الآلهة؛ فالأفعى التي تؤدي عضة واحدة منها إلى موت سريع، واسمها ناجا، كان لها عندهم قدسية خاصة؛
وترى النّاس في كثير من أجزاء الهند يقيمون كلّ عام حفلاً دينياً تكريماً للأفاعي، ويقدّمون العطايا من اللبن والموز لأفاعي الناجا عند مداخل جحورها؛ كذلك أقيمت المعابد تمجيداً للأفاعي كما هي الحال في شرق ميسور».

وهذا العرض يخالف ما ذهب إليه البيروني من أنَّ عقيدة التوحيد هي القائمة وأنَّ الخالق منـزهٌ، حيث يقول «اعتقاد الهند في اللّه سبحانه أنَّه الواحد الأزلي من غير ابتداء ولا انتهاء، المختار في فعله، القادر الحكيم، الحي المحيي، المدبر المبقي، المفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد، لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء... هو المستغني بأزليته ووحدانيته عن فعل المكافأة عليه براحة تؤمل وترتجى، أو شدّة تُخاف وتُتقى».

أما البستاني فيقول "إن برهم هو نفس برهم معبود الهنود بعد أن شرع في أعماله، وهو الأقنوم الأول من الثالوث الهندي أي أن برهم ينبثق من نفسه في ثلاثة أقانيم كل مرة في أقنوم، فالأقنوم الأول الذي يظهر به أول مرة هو برهما، والثاني وشنو، والثالث سيوا
ويذهب إلى قريب من هذا د. إحسان حقّي حيث يقول في مقدمة كتابهم المقدس (منُّوسَمَرتي) في نسخته المترجمة: «يعتقد الهنادكة بالوحدة وله ثلاثة أعوان يديرون ملكه وهم: برهما، وشنو (فشنو)، فهِيش (شيفا)».

ولعلّ الأقرب إلى الواقع ما ورد هو أنَّهم يقولون بالثالوث من الآلهة الذين تُسند لكلّ منهم مهمة بعينها، والثالوث يكون من: براهما ـ فيشنو ـ شيفا.

أ ـ براهما:
ــــــــــــــــــــــ
يُطلق عليه اسم (سانج هيانج)، واسمه بالسانسكريتية: (UTPETI)، وهو الخالق، حسب معتقدهم، لذلك نسجوا حوله أسطورة تدور حول عملية الخلق، وقد جاء في كتاب عالم الأديان لحميد فوزي مانصه:

«ويعتقد أنهَّ خالق الكون على طريقته، فقد أخذ براهما يتأمّل ويفكِّر طويلاً فنشأ عن تفكيره هذا فكرة مخصَّبة، تطوّرت إلى بذرة ذهبية، ومن تلك البيضة ولد براهما، خالق كلّ شيء فهو الخالق والمخلوق»، ورغم هذا الموقع الذي يحتله براهما في عقيدة الهندوس إلاَّ أنَّه مهمل في شعائرهم وطقوسهم.

ب ـ فيشنو:
ــــــــــــــــــــــــــ
ويسمونه الحافظ وطريقته الحفـاظ على العالـم وبلغتهـم يسمونـه (Sthiti). فيشنو كما يصفه، كولر، في كتابه الفكر الشرقي القديم، فهو إله ممتلئ بالحبّ الذي يغذي الحياة، ويبقي عليها، وكثيراً ما يصوّرونه على هيئة إنسان يجسّد الخير والعون للبشر، ويساعده في مهمته آلهة آخرون، وفق معتقدهم ومنهم: راما ـ وكرشنا، ويحتل فيشنو موقعاً متميزاً في الشعائر الهندوسية.

ج ـ شيفا:
ــــــــــــــــــــــ
يُنسب إليه الفناء والدمار، وهو المهلك للعالـم ومهمته نقيض مهمة فيشنو، ويسمونه بلغتهم (Sang Kan Par an).

وشيفا في عقيدة الهندوس وكما ورد في قصة الحضارة لديورانت هو «إله القسوة والتدمير قبل كلّ شيء آخر؛ هو تجسيد لتلك القوّة الكونية التي تعمل، واحدة بعد أخرى، على تخريب جميع الصور التي تتبدى فيها حقيقة الكون، جميع الخلايا الحيّة وجميع الكائنات العضوية، وكلّ الأنواع، وكلّ الأفكار وكلّ ما أبدعته يد الإنسان، وكلّ الكواكب، وكلّ شيء».

والهندوس الذي يعتبرون شيفا عندهم إله الفناء والدمار، حاولوا أن يفسّروا ما يصدر عنه بأنَّه بحدّ ذاته رحمة،
وفي الحديث عن شيفا قالوا كما جاء في كتاب الفكر الشرقي القديم لكولر: «إنَّه يقدّم النعمة الإلهية التي بمقتضاها يمكن إزالة ضروب الافتقار التي تلوث والتي تتجلّى في صورة نواقص وعيوب في النفس المقيدة.
ويحمل شيفا في راحة يده اليسرى العليا لساناً من لهب يمثِّل القوى المدمّرة التي ارتبطت طويلاً بهذا الإله»،
وهكذا ترتكز الديانة الهندوسية على ثالوث إلهي قوامه: خالق هو براهما، وحافظ هو فيشنو، ومدمّر مهلك هو شيفا. ولهذا الثالوث تجليات في آلهة أخرى مثل كرشنا وراما وبودا وكاليكي.

وإذا أردنا أن نعرف بعض وظائف هذه الآلهة عندهم، نراهم قد اعتبروا كرشنا آتياً من أجل إحلال السّلام، وبودا، أو يووهي، من أجل نشر المعرفة والتعليم الذي يقود إلى الطمأنينة. أمّا كاليكي Kaluki فهو الإله المنتظر عند الهندوس والذي لـم ينـزل بعد، ولـم يحن وقت تجليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمّا بالنسبة لمصير الإنسان بعد الموت، فإنَّ الهندوسية ـ كما يقول الحمراني في كتاب من قاموس الأديان، بحث الهندوسية ـ لا تؤمن بحياة أخرى فيها جنّة ونار وثواب وعقاب، وإنَّما يرتبط مصير النفس بموضوع التناسخ، حيث تنتقل الأنفس من بدن إلى آخر، وأعمال الإنسان هي التي تحدِّد مصير النفس، فإذا سلك سبيل الخير واتّبع الفضائل انعتقت نفسه من دورة الحياة في الأبدان واتحدّت بالروح الكلية، وإلاَّ تبقى في هذه الدورة متنقلة من بدن إلى آخر.

لذلك يركز الهندوس اهتمامهم على النفس، لأنَّ النفس في معتقدهم يمكن أن ترقى إلى الكمال، أمّا البدن فسمته النقص، ولكي يحقّق الجسد درجة ما من التطهير ينبغي عليه أن يستغل وجود الروح فيه، ولهذا قالوا بحرق البدن عند الموت، والموت عندهم نهاية لا تجدّد لها.

فكلّ الحواس لا يمكن أن تؤدي وظائفها، إذا لـم تكن آتما، وهي النفس، صاحبة القيادة والإرادة؛ وذلك لأنَّ النفس آتما هذه أصلها من براهما Sang Hay ang الذي يعتبرها كقرص الشمس وهي شعاعه، تلك الأشعة التي تدخل في كلّ مكان على امتداد العمران والكرة الأرضية.

والنفس عند الهندوس بالرغم من أنَّها كاملة، ولكنَّها لا تخلد كجوهر مستقل، وإنَّما خلاصها يتمّ عن طريق ممارسة رياضة «اليوغا»، وهذه الرياضة منها قسوة على البدن وتعويد للنفس على الصبر والثبات، واليوجا كلمة سنسكريتية معناها «النير» وسميت كذلك لأنَّها تخلّص النفس من نير البدن ومن نير الشهوات.

واليوغا هي طريق لتسهيل الاتحاد بالنفس الكلية، عن طريق رياضة روحية وجسدية، أو عن طريق القرابين، وتذهب اليوجا إلى أنَّه لا تكفي حياة واحدة لإدراك هذا الاتحاد لأنَّه بحسب مبدأ الكارما قد تتطلب أفعال العبد السيئة ولادات متتالية في صور إنسانية أو حيوانية.

ما تقدّم يدفعنا إلى القول إلى أنَّ الهندوس لا يتوافقون مع الرسالات السَّماوية عموماً في مسألة الخالق وفي النظر إلى اليوم الآخر.

ومن مظاهر التقديس عند الهندوس، نهر الغانج الذي يحجون إليه سنوياً بقصد التطهر بمائه، وكذلك يلقون فيه رماد موتاهم بعد أن يتمّ إحراق أجسادهم، فالدفن للأبدان ليس معتمداً عندهم.

ويقدس الهندوس البقر ولا يأكلون لحومه، والأبقار تنتقل عندهم في شوارع المدن حيث تشاء، وبحرية تامة، لا يزعجها أحد، وقد حصل الكثير من حوادث القطارات والسير في الهند، نتيجة توقف سريع إكراماً لبقرة،
والأبقار تنتقل عندهم في شوارع المدن حيث تشاء، ويأكلون اللبن فقط، ويستخدمون الروث وقوداً، أمّا البول فهو عندهم للعلاج أحياناً كالدواء، ويضعه الكهنة في أوعية ويرشونه على الجمهور بعد انتهاء طقوسهم في المعابد،
أما إذا ماتت البقرة وجب دفنها بجلال الطقوس الدينية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لـم تنسب النصوص المقدسة عند الهنود كما ذكرنا إلى شخص بعينه،
والفيدا أو الويدا Weda التي تعني في لغة الهنود السنسكريتية المعرفة، هي عبارة عن مدونة كبرى أو موسوعة تحوي الكثير عن بلاد الهند وشعبها على امتداد قرون عديدة تبدأ مع حوالي 2500 ق.م.

والفيدا هذه مرّت بمراحل، فقبل أن تدون كان معناها التأمّل، ولكن بعد أن دوّنت وسجلت تاريخ الهند وتراثه ومفاهيم الهندوس الدينية، أصبحت هي التي تنظم حياة أتباعها وصولاً إلى المعرفة المنشودة.

ويرجح ديورانت أن أول من قام بمهمة التدوين للمرة الأولى بعض التجار الهنود من طائفة الدرافيديين، ما جعل هذه الكتابة كما يظهر لا تستخدم إلاَّ لأغراض تجارية وإدارية، وهذا يعني أن التجار لا الكهنة هم الذين ارتقوا بهذا الفن الأساسي.

وبناء على ذلك يصل السحمراني إلى نتيجة مفادها أنَّ تدوين الفيدا تطوّر مع تطوّر اللغة السنسكريتية نفسها، ولعلّ هذا التأخر في التدوين هو الذي حرّم الباحثين من مصادر المعرفة عن تاريخ الهند القديـم.

ويبدو أنَّ الكهنة الهندوس ـ البراهمة ـ قد شجعوا فيما بعد هذا التدوين لتكون الفيدات في أيديهم سلاحاً دينياً يضمن لهم السيطرة والموقع المتقدّم، خاصة بعد أن وطدوا أسس النظام الطبقي في الهند وأعطوه بعداً دينياً.

الفيدات كما يبدو لم تكن كتاباً واحدا،ً وإنَّما هي مجموعة كتب تصل إلى أربعة عشر كتاباً،
وأهم هذه الكتب كتاب اسمه: «منُّوسَمَرتي» أو «شرع منُّو» وقد نقله إلى العربية إحسان حقّي،
وفي تقديمه للكتاب يبيِّن ما في نصوص الكتاب من تشويش وعدم انسجام فيقول:
«وإذا شئنا أن نصف منُّوسَمَرتي قلنا إنَّها مجموعة متناقضات، إذ بينما نراه يرتفع بتشريعه إلى أعلى درجات العقل والإدراك وسلامة الذوق والتفكير نراه ينحدر فجأة إلى درجةٍ من السخافة والإسفاف المخجل... ولئن دلَّ هذا على شيء فإنَّما يدلُّ على أنَّ هذا الكتاب كُتب في أوقات متباعدة وبأيدي أناس مختلفين اختلافاً كبيراً في العلم والعقل والإدراك».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تدين غالبية الشعب الهندي بالهندوسية، التي تطوّرت مع تطوّر الهند نفسها، وكما سبق القول، فإنَّ الهندوسية ليست ديانة فحسب وإنَّما حوت من خلال مفاهيمها وكتبها، تاريخ الهند الحضاري.

وقد اختلط النظام الديني، كما يقول السحمراني، بمختلف الأنظمة من سياسي واجتماعي واقتصادي ولكي يضمن أصحاب النفوذ الديني وأصحاب النفوذ السياسي نفوذهم كرّسوا نظام طبقي اجتماعي يضمن لهم السيطرة، فكان من ذلك أن تبلور نظام الطبقات عند الهندوس، الذي وزّع الهنود في أربع طبقات مغلقة، ينتمي الأبناء بذلك إلى طبقات آبائهم حكماً.

الطبقات الأربع:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتكون المجتمع حسب الهندوسية من أربع طبقات هي: البراهمة، الكشاتريا، الويشاش، الشودر.

ومزاعم الهندوسية تصل إلى حدِّ التمييز في مصدر ما يتكوّن منه أهل كلّ طبقة, وفي شرع منُّو، المعروف باسم «منُّوسَمَرتي»، يقولون:
ــــــــــــــــــ
«لسعادة العالـم خلق برهما البراهمة من وجهه، والكشتريين من ذراعيه، والويش من فخذيه، والشودر من قدميه».

ووصف البيروني حال هذه الطبقات بشكل لا يبعد عن المفهوم الوارد في "منوسمرتي" حيث يقول:
ـــــــــــــــــــــــ
«وهذه الطبقات في أوّل الأمر أربع، علياها البراهمة، قد ذُكر في كتبهم أنَّ خلقتهم كان من رأس برهما... والرأس علاوة الحيوان، فالبراهمة نقاوة الجنس، ولذلك صاروا عندهم خيرة الإنس،
والطبقة التي تتلوهم كشتر خُلقوا بزعمهم من مناكب براهم ويديه ورتبتهم عن رتبة البراهمة غير متباعدة جداً،
ودونهم بَيْش، خُلقوا من رجلي براهم. وهاتان المرتبتان الأخيرتان متقاربتان، وعلى تمايزهم تجمع المدن والقرى، أربعتهم مختلطي المساكن والدور».

أ ـ البراهمة:
ــــــــــــــــــــــــــ
جاء في نصوصهم المقدّسة (منُّوسَمَرتي) أنَّ الإله الأكبر برهما قد «عهد إلى البراهمة بقراءة الويد وتعليمه والقيام بأعمال يكيه لأنفسهم ولغيرهم وخصهم بإعطاء الصدقات وقبولها».

وأبناء هذه الطبقة هم كما يقول كولر«من الكهنة والمعلمين الذي يعدُّون بصفة عامة حملة الثقافة، ومهماتهم هي الحفاظ على المعرفة والثقافة وإرضاء الآلهة, والحفاظ على العدالة والأخلاق».

ب ـ كشاتريا:
ـــــــــــــــــــــــــ
الطبقة الثانية رتبة بعد البراهمة. تتولّى هذه الفئة مسألة الحفاظ على الأمن في البلاد، لذلك من الواجب أن يتميّز أبناؤها بالكفاءة السياسية والعسكرية معاً بحيث يكون لهم في المجتمع الإقدام والمهابة،
ويقول جون كولر في تعريف الكشاتريا ما يلي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«وتتألف طبقة الكشاتريا من حماة المجتمع والقائمين على إدارة شؤونه، وهم حرَّاس باقي المجتمع، والقائمون على أمنه، وعلى تنفيذ القواعد المختلفة التي تقتضيها الوظائف الاجتماعية الضرورية، وجاء في الجيتا أنَّ البطولة والقوّة والاستقامة والحذق، وعدم الهرب حتّى في المعركة، والكرم والقيادة، تلك هي واجبات رجال الكشاتريا التي تولّدت من طبيعته».

وما يُناط بهذه الطبقة يستلزم، كما قال البيروني، أن يكون (الكشتر) «مهيباً في القلوب، شجاعاً، متعظماً، ذلق اللسان، سمح اليد، غير مبالٍ بالشدائد، حريصاً على تيسير الخطوب».
ـ الفايشاش أو الويش:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهمة هذه الطبقة أساسية في المجتمع يقع عليها توفير الأمن الغذائي وتأمين الرخاء والاستقرار المعيشي، والشأن الاقتصادي بيد هذه الطبقة، وعملهم هذا لايقومون به اختياراً بل تنص عليه (منُّوسَمَرتي)، أو (شرع منُّو) التي تقول:
ــــــــــــــــ
«وفرض على الويش سبعة أمور هي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ
حفظ الحيوانات ورعيها،
وإعطاء الصدقات،
والقيام بعبادة يكيه،
وقراءة الويد،
والعمل بالتجارة،
والتعامل بالربا،
والاشتغال بالزراعة».

وتحاول هذه الطبقة رفع مستواها رويداً رويداً، وتعمل على تحرير نفسها من قيود الحياة ومشاغل الأيام، ولكنَّها تظلّ خادمة للأمّة وللشعب، فهي المسؤولة عن الإنتاج والرخاء».
ـ شودار: أو سودراء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذه أدنى طبقات المجتمع في هرم التوزيع الهندوسي، وهؤلاء أشبه ما يكونون بالعبيد، فواجبهم الخدمة والعمل وإنجاز كلّ ما يوكل لهم من الطبقات الأعلى.
يقول البيروني: «ويكون شُودر مجتهداً في الخدمة والتملُّق، متحبباً إلى كلّ أحدٍ بها، وكلّ من هؤلاء إذا ثبت على رسمه وعادته نال الخير».
أمّا إذا لـم يقم بواجبه ناله العقاب،
وقد نص شرع الهندوس (منُّوسَمَرتي) بشأن وظيفة هذه الطبقة بما يلي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«وفرض الإله الأعظم على الشودار أمراً واحداً وهو أن يقوم بإخلاص تام بخدمة هذه الفرق الثلاث»، ويقصد بها الطبقات السابقة الذكر وهم: البراهمة، الكشاتريا، والفايشاش.

أوجد هذا التقسيم الطبقي انقسامٍاً حادٍاً في المجتمع الهندي الذي يربطه الهندوس بأصل النشأة، وهذا يعني إقفال الطريق أمام الكفاءات والقدرات، وبالتالي فقدان العدالة، ما أدى إلى قيام العديد من المحاولات للتخلص من هذا النظام الطبقي الجائر، وكانت أبرز هذه المحاولات محاولة المهاتما غاندي، في أوائل القرن العشرين، ولكن المحاولة لم تحقق النتائج المرجوة، لأن التميز الطبقي متأصل في العقيدة، وفي المجتمع عند الهندوس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شعائر وعبادات الهندوس:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الطهارة:
ـــــــــــــــــــــــــــ
يُلاحظ أنَّ المواقع المقدّسة التي يحج إليها الهندوس تتوزّع على ضفاف الأنهار، وخاصة نهر الغانج الذي يُعتبر أكثر الأنهار قداسة، ويلقى فيه رماد موتاهم بعد حرق جثثهم، ويكتسي هذه الأهمية من كونه ينبع حسب زعمهم من تحت قدمي الإله الحافظ «فيشنو».

فالجنابة كما جاء في نصوص كتابهم منُّوسَمَرتي يتمّ التطهر منها بالاغتسال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«إذا ما خرج المني من الإنسان فإنَّه يتطهر بالغسل»
، كما أنَّ «المرء يطهر بالغسل إذا ما لامس شخصاً من الأسافل،
أو امرأة حائضاً أو نفساء،
أو جثمان ميّت أو لمس من قد لمس جثمان ميّت».

وعندهم أيضاً أنَّ دم الشهيد طهرٌ له وبالتالي لا يغسَّل، ويقولون في شرعهم: «وكلّ من يموت في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معركة أو قتال
أو يهلك بصاعقة
أو دون بقرة
أو برهمي،
أو يقتل بأمر الملك،
أو يريد الملك أن يكون طاهراً، لا يتنجس أحد بموته»،
أما للمرأة فإنَّها «تطهر بعد الإجهاض بيوم عن كلّ شهر من أشهر الحمل، وتطهر بعد الحيض بالغسل».

والطهارة عند الهندوس على نوعين؛ حسيّ وهو الاغتسال بالماء، ومعنوي كطهارة الروح بالعلوم المقدسة والقلب بالعبادات، وهكذا...

2 ـ الصلاة:
ــــــــــــــــــــــــ
يُعتبر الاستحمام، وارتداء الثياب النظيفة ذات اللون الأصفر أو الأبيض، هذا مع غسل الأيدي والأفواه بالماء المعطّر،
ويؤدي كلّ من الرّجل والمرأة الصلاة بهيئة مختلفة عن الآخر، فالرّجل يجلس متربعاً والمرأة تجثو على ركبتيها،
أمّا أداء الصلاة فيكون أداؤها كما يلي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«ليس في الهندوسية صلاة جامعة، ولا صلاة جماعة، فالصلاة كلّها فردية» كما ذكر شلبي، في كتابه أديان الهند الكبرى.

أمّا من ناحية الوقت، فقد جاء في منوسمرتي، أنهم يقيمونها في اليوم مرتين: صباحاً ومساءً، فصلاة الصبح عليه أن يؤديها وهو واقف على قدميه من انبلاج الفجر حتّى مطلع الشمس،
ويقرأها في صلاة المساء، وهو جالس، إلى ظهور النجوم،
فصلاة الصبح بهذه الطريقة تُذهب كلّ ذنوب الليل، وصلاة المساء تُذهب كلّ ذنوب النهار.

وقد تشدّد الهندوس في أمر الصلاة، وقد نصت منوسمرتي على طرد من لـم يؤدّها ويصبح من المنبوذين (الشودار) أو يُحرم من حقوق المولودين ثانية، أي من انتقلت إليهم روح كانت لها حياة سابقة.

ولشدّة ولع الهنود بالتنسك والاعتزال في الغابات وعلى ضفاف الأنهار، رأوا أنَّه «لا بأس بأن يقوم المرء بالعبادات حتّى ولو بقراءة كايتري وحدها، وذلك بالقرب من نهر أو غابة، وهو مطمئن البال، مستجمع الفكر».

ويستخدم الهندوس عند طقوسهم في معابدهم برفقة الكاهن، إضافة إلى الماء في الطهارة، النّار التي يوقدون بها البخور ومع ذلك الأزهار،
والصلاة التي تؤدّى في المعابد تؤدّى ،كما يذكر شلبي، على الشكل التالي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
«يتلو الكاهن تعاويذه التقليدية، وبعدها يركع الشخص تحت قدمي الصنم متضرعاً... يتلو الكاهن الأدعية التقليدية... كلّ طبقة لها وضع خاص في الأدعية التي يتلوها الكاهن... في الختام يتلو الكاهن دعاءً مخصوصاً... يصلّي الشخص ثُمَّ يُرشُّ الماء ثُمَّ يخرج».

3 ـ إحراق الموتى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
النفس هي الأساس في المفهوم الهندوسي، والبدن ليس له اعتبار كبير ضمن نظام التناسخ، فإنَّ النفس عندهم تنتقل في دورة الحياة من بدن إلى آخر طلباً للتزكية والتطهّر حتّى إذا ما تـمَّ لها ذلك توقف حلولها في الأبدان واتحدّت بالروح الكلية «النيرفانا».

لذلك اعتمدوا نظاماً قاسياً مع البدن في الحياة، وإذا ما مات المرء فيكون في طقوسهم إحراق جثمانه، ومن ثُمَّ وضع الرماد في أنبوب وإلقاء هذا الرماد في نهر الغانج، النهر المقدّس عندهم.

أمّا الإجراءات للحرق فهي كما حدّدها الدكتور شلبي كما يلي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«المقومات:
ـــــــــــــــــــــــــــ
النّار ـ الحطب ـ الجثة ـ الماء.

هذه الأشياء ينقلها أبناء الميّت تحت قدم الصنم.

طريقة التنفيذ:
ـــــــــــــــــــــــــ
يغسل الميّت بالماء القراح ثُمَّ يُغسل مرة أخرى بالماء المعطر...
كلّ الفتوح في الجسم تغلق تماماً.
يحرق الجسم بالنّار المحترمة عندهم التي يقررها الكاهن...
يلقى عليها الحطب الذي يعترف بأنَّه محترم عندهم...
التراب المتخلّف (الرماد) من الحريق تتلى عليه التعاويذ والتراتيل الهندوسية»،
ثُمَّ يتمّ وضعه في أنبوب لرميه بعدها في نهر الغانج.

4 ـ اليوغا:
ـــــــــــــــــــــــ
الإنسان في الهندوسية من نفس «آتمن» وجسده أشبه ما يكون بحاجز كثيف يمنع النفس من الانعتاق من توالي دورة الحياة عليها ليتحقّق الاتحاد بالروح الكلية أو بالإله برهما.

لذلك اعتمد الهندوس كما يقول السحمراني، مصطلح «كارما»؛ ويشير هذا المصطلح إلى نظريتهم في الولادة وتناسخ الأرواح بين الأبدان، ومصير الإنسان، خاصة النفس مرهون بأعمال الإنسان نفسه.

فإذا سلك الإنسان سُبُل الخير والعمل الصالح، وقام بواجباته الدينية بلغ الـ «موكشا» وانعتق من دورة الحياة والموت واتحدّ بالكلي «برهما».

وإذا سلك الإنسان طريق الشر والمفاسد وأهمل الواجب، بقيت روحه متنقلة من جسدٍ إلى آخر وتتكرر عليها دورة الحياة والموت.
لهذه الغاية عمد الهندوس إلى رياضة «اليوغا». وكلمة «يوغا» سنسكريتية معناها: النير، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ هذه الرياضة «اليوغا» تحقّق خلاص النفس من نير الأبدان.

إنَّ براهما وآتمن (النفس) واحد، لذلك تكون اليوغا، كما يقول كولر، من أجل إعادة هذه اللحمة التي انفكَّت عند نزول النفس في بدن، فمطلب تحرير النفس لتتحدّ ببرهما إذن هو غاية اليوغا.

ويضيف في قوله: إنَّ العمل لملاشاة البدن وإطفاء نار الشهوة وإخمادها ليست كافية إن لـم يعرف الإنسان الحكمة وينتفي الجهل عنده، وعندما يتمّ إنجاز هذه الحكمة، لا تعود هناك معاناة، إذ لا يعود البوروشا (الروح) مرتبطاً على نحو خاطئ بالبراكريتي (المادة) المتغيِّر والمتعرِّض للمعاناة».

وبذلك يكون الوصول إلى رضوان الإلـه الخالق كما يقول شلبي هو الهدف، ووسيلة ذلك «ممارسة رياضة اليوغا (Catuyoga)، تلك الرياضة التي تقوم على أساس من التذكر والتفكير والصمت».

أما كولر فيقول إن اليوغا هي السبيل للخلاص من الآلام والبلايا تمهيداً لتحقيق النرفانا التي بها يتمّ الاتحاد والذوبان الكامل لآتمن (الروح) بربهما.

وبذلك تنتهي اليوغا بالإنسان ـ كما يقول السحمراني ـ إلى خلاص من نير البدن، ومن نوازع الأنا ليكون محبّاً للنّاس جميعاً،
هذه الدرجة الرفيعة تعطي لصاحبها لقب «مهاتما»، وهو لقب يطلق على الصلحاء والقديسين عند الهندوس، والكلمة بالأصل من مقطعين: آتما أو آتمن، أي الروح و «مها» معناه العظيم وبذلك يصبح مَنْ تحقّق له الخلاص صاحب الروح الأعظم.

5 ـ سَرادّة: Sraddha:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهي ـ كما ذكر البستاني في دائرة معارفه ـ لفظة هندية معناها الوضيمة وهي تُطلق على احتفال يجرونه في الهند للموتى ولأرواح الموتى،
فإذا أجريت لشخص متوفٍ من مدّة قريبة يكون المقصود منها إيصال روحه إلى السَّماء وتسهيل قبولها بين الأرواح الخالصة المسماة بيرس،
وعندهم أنَّ عدم إجراء هذا الاحتفال يُبقي الروح تائهة على وجه الأرض مع الأرواح النجسة، وأنَّ الذي يتأخر في أداء هذه الفروض نحو أقربائه المائتين تلعنه الآلهة والبشر وتبقى أرواح أقربائه محرومة مدّة سنوات معلومة من وليمة الأرواح الخالصة،
والذي يموت بدون أن يترك ابناً ليتمّم بعده الفروض المأتمية يكون سبباً لطرد أرواح سلفائه من الجنَّة إلى الجحيم.

والبراهمة يجرون في أوّل كلّ شهر قمري سرّادات مشتركة عن أرواح سلفائهم عموماً ويقدّمون تقدمة يومية، ويقيمون كلّ شهر أو كلّ سنة سرّادات خصوصية لأقربائهم.
وقد ورد في كتاب مانو تفصيل شريعة السرادّة عندهم، وذكر فيه أنَّ الذي يقدّم لأرواح الموتى أرزاً مسلوقاً في الحليب وعسلاً وزبدة مصفاة في أحد الأيام القمرية عندما يكون ظلّ الفيل متجهاً نحو الشرق يرضيها سنة كاملة والتقديمات الأخرى ترضيها شهرين أو ثلاثة أو أكثر حسب أنواعها،
وتسر الأرواح مسرّة أبدية إذا قدّم لها لحم وحيد القرن أو سرطان البحر أو ما عزَّ صوفه يضرب إلى الحمرة أو عسل أو حبوب أكل منها ناسك،
وبين هذه العوائد الهندية والعوائد اليونانية والرومانية مشابهة كلية، ولا يدعو الهنود إلى الوضائم سوى أشخاص طاهرين ومن الضرورة حضور برهميّ حاو كلّ الشروط المقتضاة، وحضور رجل واحد عارف بالكتب الدينية أفضل من حضور مليون رجل لا يعرفون بها وإذا لـم يكن للمتوفي ابن فالولد الذي يكون قد تبناه يتمّم فروض السرادّة وهذا مما يزيد تبنيه ثبوتاً.

6 ـ المرأة عند الهندوس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تتمتع المرأة في المجتمع الهندوسي بأي مكانة، بل كانت مسلوبة الحرية والحقوق بكل انواعها، وقد ورد في بعض النصوص في شرعهم أنه «لا تليق الحرية المطلقة بالمرأة قط، بل يجب أن يرعاها أبوها في صغرها وزوجها بعد ذلك وابنها في كبرها».

كما يجب عليها سواء كانت « صغيرة وشابّة أو مسنَّة ألا تعمل عملاً، ولو داخل دارها بمطلق إرادتها وحريتها، بل يجب أن تكون في صغرها تابعة لأبيها، وفي صباها لزوجها، وإذا مات زوجها فلإبنها، ولا تكون مطلقة الحرية».

كما فرضت الشريعة الهندوسية نظاماً سيئاً على المرأة جعلها أسيرة زوجها في شتى وجوه حياتها، وعليها أن تطيعه حتى لو كان منحرفاً وغير صالح
كما صورها المجتمع الهندوسي بأنها فاسدة ومفسدة حيث لامكان عندها للقيم والأخلاق، وبذلك دعا للتعامل معها بحذر«قد فطر النساء على إغراء الرجال، فعلى العقلاء أن يحذروهن، إنَّ في استطاعة النساء استهواء حتّى العلماء من الرجال، وجعلهم عبيد الهوى والغضب، بل الجهلاء منهم.

وتدعو الهندوسية الرّجل إلى عدم مواقعة زوجته، وهي في الحيض، لأن "وطء الحائض يذهب العقل والنشاط والقوّة والجمال، وبالاختصار إنَّه يضيع الحياة كلّها، أما اجتنابها وهي في حالة الحيض، فإن ذلك يزيد العقل والنشاط والقوّة والعمر.

والمرأة عند الهندوس لا تتاح لها فرصة التحصيل العلمي خاصة للفلسفة، لأنَّها لا تطيق ذلك ويقودها إلى الجنون. وكذلك يحرّمونها دراسة كتب الفيدا والويدا المقدسة عندهم.
ينقل ديورانت في هذا: «ففي المهابهاراثا إذا درست المرأة كتب الفيدا كانت هذه علامة الفساد في المملكة.
ويروي المجسطي عن أيام شاندرا جوبتا: إنَّ البراهمة يحولون بين زوجاتهم وبين دراسة الفلسفة؛ لأنَّ النساء إن عرفن كيف ينظرن إلى اللذّة والألـم، والحياة والحوت، نظرة فلسفية، أصابهن مسٌّ من جنون، أو أبَيْنَ بعد ذلك أن يظلّن على خضوعهن».

والهندوس ـ كما جاء في منوسمرتي ـ بشجعون على الزواج المبكر، ويعتبرون عدم الزواج عاراً، ومنذ الصغر يهتم الأهل بإتمام زواج أولادهم. والزواج يربط المرأة بزوجها رباطاً أبدياً، لذلك انتشر عندهم إذا مات الزوج قبل الزوجة أن تحرق الأرملة مع جثمان زوجها لأنَّه خير لها أن لا تبقى بعده.

ويدعون للتباعد في الزواج بحيث لا يتزوج الإنسان من قريباته، إن لجهة الأم أو الأب، ويضعون شروطاً قاسية تتعلق باختيار الزوجة.

وإذا كان موضوع حرق المرأة الأرملة مع جثمان زوجها قد توقف بشكل شبه نهائي بعد قانون أصدره المستعمرون الإنكليز سنة 1830، فإنَّ المرأة ظلّت محرومة من ميراث أبويها حتّى سنة 1956، حيث صدر قانون في الهند يعطيها هذا الحقّ ،
إلاَّ أنَّ المرأة لـم تنتهِ معاناتها بعد في مجتمع الهند حيث لازالت مشكلة "الدوطة" وهي تكاليف الزواج التي على الأهل تأمينها تقف عائقاً أمام زواجها،
وبعد تطوّر الفحص الجنيني قبل وضع الحمل لمعرفة جنس الجنين، ساعد على انتشار حركة وأد خطيرة للمولود الأنثى إمّا بالإجهاض أو بالدفن لحظة الولادة. وهذا ما تطلب من البرلمان الهندي أن يصدر في آب (أغسطس) من عام 1994م قانوناً يحظِّر إجراء الفحوص الطبية لتحديد نوع الجنين قبل ولادته.

وتعطي الهندوسية للرّجل حقَّ تطليق زوجته، وهذا الحقّ غير معطى لها، أمّا الأمور التي تبرّر له هذا الطلاق، فهي بحسب شرعهم في منُّوسَمَرتي محدّدة بالنص التالي:
«يحقّ للرّجل أن يطلّق زوجته إذا ما ظهر له فيها عيب أو مرض أو أنَّها غير بكر، أو أنَّها أعطيت له بخدعة».

7 ـ من شرائع وتقاليد الهندوس:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنَّ تتبع نصوص شرع مانو أو منُّوسَمَرتي تبيِّن أنَّ الهندوس حريصون على نظام أخلاقي دقيق يتميَّز بالاحترام والفضائل، ومعظم ما يطرحونه في هذا الباب غير مخالف لما تأمر به الرسالات السَّماوية.
ذلك ما يأمرون به من احترام شديد لكبير السنّ، وما يطلبونه من الصغير من آداب يتعاطى من خلالها مع من هم أكبر منه،بأن يبدأ الكبار عندما يلقيهم بالسَّلام وأن يعرفهم نفسه، ومن لا يعرف ألفاظ السَّلام يستخدم مع الكبير تعبير تَمسْكار؛ أي أنحني أمامك.

ولم يقتصر هذا التكريم على العمر فقط، بل يتسع ليشمل الأمر مجموعة كبيرة من الأشخاص، «قف وعظِّم خالك وعمّك وحماك والعلماء الذين يقومون بالأعمال الدينية وأستاذك ولو كانوا أصغر منك سناً»..

وأعطى التشريع الهندوسي مكانة عظيمة للأبوين لما لهما من فضل في إعداد الأولاد وتربيتهم «ليس بالمستطاع مكافأة الأبوين، حتّى ولا بمئة سنة، على ما يقاسيانه من العذاب في نسل الأولاد... على التلميذ أن يقوم على خدمة الأبوين والأستاذ بما يرضيهم، وبذلك ينال ثواب عباداته كلّها... إنَّ طاعة هؤلاء الثلاثة هي خير العبادات، فعلى التلميذ ألاّ يقوم بعبادة ما رجاء الثواب وزيادة الحسنات إلاَّ بإذنهم».
فالوالدان والأستاذ هم أكثر من يحسن للإنسان ويسهم في تشكيل شخصيته، لذلك وجب عليه أن يبادلهما الإكرام والإجلال، وهذا الاحترام يعبَّر عنه بأسلوب المخاطبة وبالهيئة عند التخاطب مع الأستاذ.

والهندوسي عليه أن يسعى إلى النعيم الأخروي، وبذلك عليه أن يتحمّل الأذى في الدنيا، وأن لا يردّ الإساءة بمثلها.

وفي الهندوسية جملة وصايا تصبّ كلّها في مجرى اتباع الفضائل، وقد ركزت النصوص عندهم على
عدم أذية الغير ولو أوذي، وأن لايحسدهم على ما آتاهم الله من فضله.

وتُحرّم الهندوسية القمار، وتطالب الحاكم أن يمنع القمار وكلّ أشكال الرهانات، وأن يعمل على معاقبة من يُمارس ذلك، ويعدون القمار كسباً غير مشروع، وهو من جملة أنواع السرقة.

وتستمر الهندوسية في تحريم ومحاربة النفاق والتدليس،
وتحظّر التنجيم والارتزاق من خلاله،
كما أنَّها تعاقب من لا يمارس عمله، خاصة الأطباء، بصدق وأمانة، وتطالب الحاكم بأن يلاحق هؤلاء وينـزل بهم العقاب المناسب لاستئصال الفساد من المجتمع،
كما تحرم الرشوة والمكر والتدليس والمقامرة وسلوك طريق الخبث والنفاق والعيش بالتنجيم والشعوذة والمومسة والسرقة والغش،
وتحرم إلى جانب ذلك السرقة والغش، وتعاقب على ارتكاب أي مما ورد من هذه الأمور.
وتحرِّم الهندوسية الخمر، لأنَّه نجس ومصدر للخبث «إنَّ الخمر نجسة كالإثـم، فعلى المولودين ثانية ألا يشربوها».

إنَّ ما ذكرناه، وهو يشكل بعض مواقف الشرع الهندوسي في مسألة الخلق والفضيلة والضبط الاجتماعي، يُظهر جلياً أنَّ الهندوسية تتمتع بنظام أخلاقي متقدّم وموضوعي ومفيد في ضبط المجتمع، ويلتقي في أغلب أسسه مع رسالات السَّماء.

وهكذا يمكننا أن نستنتج أن الهندوس يعتقدون بوجود ثالوث يعتبرون فيه أن برهم هو الأقنوم الأول الذي ينبثق من نفسه ثلاثة أقانيم كل مرة في أقنوم، وهذه الأقانيم تتجسد ببرهما وفيشنو وشيفا، وبعد ذلك بعددٍ لا حصر له من الآلهة، إلاَّ أنَّهم يقرّون لبرهما بأنَّه الأساس وأنَّه الخالق.
أما من الناحية المجتمعية فإن الهندوسية تتميز بنظام طبقي جائر ومغلق، ينتمي فيه الأبناء حكماً إلى الطبقات التي ينتمي إليها الآباء، ما يجعل مسألة تكافؤ الفرص معدومة في هذا المجتمع ، وبالتالي تغيب عنه كلياً العدالة الاجتماعية، وأسوأ ما فيه هو تلك النظرة الدونية التي تنطلق من رؤيتهم لأصل الخلق الذي يجعل فئة الشودر في أدنى الهرم فيُصنفون عندهم كالعبيد ومهمتهم الخدمة، وبعبارة أخرى يشكلون طبقة المنبوذين في المجتمع، ولذلك جرت العديد من المحاولات لانصاف هؤلاء الشودر، ولكنها باءت بالفشل، ولم تحقق الآمال المرجوة منها.

ومما يجدر ذكره هو أن الهندوسية تحوي نظاماً أخلاقياً يتمسك بكثير من القيم والفضائل التي تدنو كثيراً مما تدعو له الرسالات السماوية، أو قل إنه يتمتع بمسحة انسانية عامة تجعل باب الحوار مفتوحاً للآخر الذي يعيش هم إرساء الفضيلة والقيمة
يـــــــــــــتـــــــــــــــــبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

.